خليل الصفدي
86
أعيان العصر وأعوان النصر
وجدد عمائر المدارس ، والزوايا ، والربط ، والخوانق ، ووسع الطرقات ، وأصلح الرصفات . كان يدور بنفسه في الليل متخفيا ، ويشير بما يراه فما يصبح ذلك المكان إلا وقد هدم ، والصناع تعمل فيه . وله في سائر الشام أملاك ، وعمائر ، وأوقاف . وفي الديار المصرية أيضا داره المعروفة به ، والحمام بالكافوري . وكان الناس في أيامه آمنين على أنفسهم ، وحريمهم ، وأولادهم ، وأموالهم ، ووظائفهم ومن في يده وظيفة لا يجسر أحد يطلبها لا من مصر ، ولا من الشام . وكان يتوجه في كل سنة إلى الصعيد بمن يختاره من عسكر الشام إلى نواحي الفرات « 1 » ، وعدى الفرات في بعض سفراته ، وأقام يتصيد في ذلك البر خمسة أيام . وكان أهل تلك البلاد ينجفلون قدامه إلى بلاد توريز ، وسلطانية ، وكذلك بلاد ماردين ، وبلاد سيس ، وكان يصل أجرة الدابة ، ولم يكن له غرض غير الحق ، والعمل به ، ونصرة الشرع إلا أنه كان به سوداء يتخيل بها الأمر فاسدا ، ويحتد خلقه ويتغير ، ويزيد غضبه فهلك بذلك أناس لا يقدر أحد من مهابته يوضح له الصواب . وكان إذا غضب لا سبيل إلى رضاه ، ولا أن يحصل منه عفو . وإذا بطش بطش بطش الجبارين ، ويكون الذنب عنده صغيرا حقيرا ونزرا يسيرا فلا يزال يكبره ، ويعظمه ، ويزيده ، ويوسعه إلى أن يخرج فيه عن الحد . ورأيت من سعادته أشياء منها أنه كان إذا غضب على أحد في الغالب لا يزال ذلك المغضوب عليه في خمول ، وخمود ، وتعس ، ونكس إلى أن يموت . قال القاضي شرف الدين أبو بكر بن الشهاب محمود كاتب سره قال : واللّه ما زلت في هم ، وخوف ، وتوقع مثل هذا إلى أن أمسك . وما غضب على أحد ، ورضي عنه . أخبرني قوام الدين أحمد بن أبي الفوارس البغدادي « 2 » قال : قلت له يوما : واللّه يا خوند أنا رأيت أكبر منك ، وأكثر أموالا منك فلما سمع ذلك تنمر وقال بغيظ : من رأيت أكبر مني فقلت : خربندا ، وبو سعيد ، وجوبان فلما سمع ذلك سكن غيظه . ثم قلت له : إلا أنهم لم تكن رعاياهم تحبهم هكذا ، ولا يدعون لهم كما يدعو رعاياك لك ، ولا كانت رعاياهم في هذا الأمن ، وهذا العدل . فقال لي : يا فلان : أي لذة للحاكم إذا لم تكن رعاياه آمنين
--> ( 1 ) الفرات : فرت الماء إذا عذب ، وخرج الفرات من أرمينية ثم يتفرغ حتى يصب في دجلة ، والفرات وروى أن أربعة أنهار تنبع من الجنة : النيل ، والفرات ، وسيحون ، وجيحون وسقى الفرات كورا ببغداد منها الأنبار . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 306 ) . ( 2 ) لم أقف على ترجمة .